طوال الأشهر الـ 15 بين 27 تشرين الثاني 2024 و2 آذار 2026، لم يلتزم العدو الإسرائيلي بموجبات اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي كان يُفترض أن ينهي حرب الـ 66 يوماً، وذلك كآلية تطبيقية للقرلر الدولي 1701 الصادر في آب 2006 والذي أنهى يومها حرب الـ 33 يوماً التي بدأت في 12 تموز 2006.
الفارق الوحيد بين قرار 2006 واتفاق 2024 هو أنّ تطبيق القرار بدأ فور صدوره، بينما أعطى الاتفاق جيش الاحتلال الإسرائيلي مهلة 60 يوماً، جرى تمديدها ثلاثة أسابيع إضافية، لكي ينسحب من الأراضي اللبنانية المحتلة، لكن القاسم المشترك بينهما هو البدء الفوري لوقف إطلاق النار، وهذا ما لم يحصل بعد 27 تشرين الثاني 2024، إذ استمرّت الاعتداءات الإسرائيلية طوال 15 شهراً، وكانت وتيرتها تعلو وتنخفض بين فترة وأخرى، كما أنها لم تقتصر على منطقة القتال في جنوب لبنان، بل طالت كلّ الجنوب وامتدّت إلى الضاحية الجنوبية والبقاع وبعض مناطق جبل لبنان... كما أنّ جيش الاحتلال لم ينسحب بشكل كامل، بل أبقى على احتلاله لبعض المواقع والتلال الحاكمة، والتي عُرفت بالنقاط الخمس وتوسعت لاحقاً إلى أكثر من ذلك...
في النتيجة التزم لبنان بالكامل (دولة ومقاومة) ببنود الاتفاق، وهذا ما شهد به كلّ العالم، وفي المقابل لم يُطبّق كيان العدو اتفاق تشرين الثاني 2024، ووفق إحصاءات الأمم المتحدة وبياناتها المستندة إلى تقارير "اليونيفيل" فقد تجاوز عدد الخروقات الإسرائيلية العشرة آلاف...
وحين كان يدور الحديث عن تلك الخروقات، كان الردّ يأتي من الداخل اللبناني أولاً، حيث برزت المقولة الشهيرة "مدري ع شو موقّع الرئيس نبيه بري"! وهي مقولة جرى استخدامها إعلامياً بشكل كثيف جداً، ربما أكثر من عدد الخروقات، وهي لا تزال متداولة حتى اليوم، وقد شارك في ترويجها كلّ الذين يخاصمون المقاومة (حتى لا نقول الذين يعادونها) من سياسيّين ومسؤولي أحزاب وإعلاميين... حتى أنّ مَن يُسمّونه وزير الخارجية أعطى "الحق" للعدو في أن يرتكب الخروقات!
كلّ هؤلاء يعرفون أنّ ما يقولونه هو من باب التجنّي، لأنهم يعرفون أنّ النص الكامل للاتفاق منشور على الصفحات الرسمية لرئاسة الحكومة ومعه خريطة مفصّلة لمنطقة جنوب الليطاني مضافاً إليها بلدتي يحمر وأرنون، للتأكيد على أنّ الاتفاق بما في ذلك موضوع حصر السلاح يشمل فقط تلك المنطقة، والباقي يظلّ في عهدة اللبنانيين أنفسهم.
وكان خصوم الفريق المقاوم، يستهدفون بشكل مباشر الرئيس نبيه بري، ومعه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حين يشيرون في سياق تبرير الاعتداءات إلى ورقة جانبية، ملحقة باتفاق 27 تشرين الثاني، بين الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل"، تتضمّن السماح لكيان العدو بأن ينفّذ ما يشاء من اعتداءات وضرب كلّ ما يحسبه تهديداً لأمن جيشه وأمن مستوطناته ومستوطنيه في شمال فلسطين المحتلة، علماً أنّ لبنان الرسمي (المجلس النيابي والحكومة) لم يكن على علم بهذه الورقة الجانبية، وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها كحجة لتنفيذ الاعتداءات، بدليل أنّ الأمم المتحدة لم تكن لتتحدث عن الخروقات، لو أنّ الورقة الجانبية موجودة فعلاً بشكل رسمي.
بالأمس خرجت علينا وزارة الخارجية الأميركية لتكشف عن سرّ تلك الورقة، حيث نشرت ما أسمته "النص الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس الفائت، والذي يمهّد لمفاوضات قد تسفر عن اتفاق سلام دائم".
ولعلّ أخطر ما جاء في هذا النص هو البند الثالث الذي يقول حرفياً: "تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أيّ وقت، ضدّ أيّ هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية. ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق".
أليس هذا بالضبط ما كانوا يتحدثون عنه بعد 27 تشرين الثاني؟
للأسف الشديد نعم، ولكن هذه المرة قالت الخارجية الأميركية إنّ النص المُشار إليه هو اتفاق لبناني ـ "إسرائيلي"، علماً أنه لم يمرّ في أيّ إطار رسمي لبناني، لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب، ولم نسمع أيّ موقف سلبي أو إيجابي من المسؤولين المعنيّين بتوضيح مثل هذه الأمور وكشف الحقائق أمام اللبنانيين، أم أنّ هؤلاء المسؤولين يخافون من تبنّي هذا الأمر لأنّ فيه ما هو مخجل ومهين للبنان؟
على أيّ حال، بالنسبة لنا نحن الذين ندور في فلك المقاومة، ليس لدينا ما نخجل منه، بل بالعكس رؤوسنا مرفوعة عالياً، وعالياً جداً، بشهدائنا الأبرار وجرحانا الصابرين وأهلنا الصامدين وقادتنا الثابتين الذين لم ولن يوقعوا على صكوك الاستسلام... ونستعيد ختاماً قول جبران "لكم لبنانكم ولي لبناني"، لنقول لكم لبنانكم المفاوض المستسلم ولنا لبناننا المقاوِم العزيز الكريم مهما كانت التضحيات...


